فخر الدين الرازي
145
تفسير الرازي
بإشراك من لا يخلق شيئاً بمن خلق كل شيء بقوله : * ( هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ) * وبين أن المشرك ظالم ضال ، ذكر ما يدل على أن ضلالهم وظلمهم بمقتضى الحكمة وإن لم يكن هناك نبوة وهذا إشارة إلى معنى ، وهو أن اتباع النبي عليه السلام لازم فيما لا يعقل معناه إظهاراً للتعبد فكيف ما لا يختص بالنبوة ، بل يدرك بالعقل معناه وما جاء به النبي عليه السلام مدرك بالحكمة وذكر حكاية لقمان وأنه أدركه بالحكمة وقوله : * ( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) * عبارة عن توفيق العمل بالعلم ، فكل من أوتي توفيق العمل بالعلم فقد أوتي الحكمة ، وإن أردنا تحديدها بما يدخل فيه حكمة الله تعالى ، فنقول حصول العمل على وفق المعلوم ، والذي يدل على ما ذكرنا أن من تعلم شيئاً ولا يعلم مصالحه ومفاسده لا يسمى حكيماً وإنما يكون مبخوتاً ، ألا ترى أن من يلقي نفسه من مكان عال ووقع على موضع فانخسف به وظهر له كنز وسلم لا يقال إنه حكيم ، وإن ظهر لفعله مصلحة وخلو عن مفسدة ، لعدم علمه به أولاً ، ومن يعلم أن الإلقاء فيه إهلاك النفس ويلقي نفسه من ذلك المكان وتنكسر أعضاؤه لا يقال إنه حكيم وإن علم ما يكون في فعله ، ثم الذي يدل على ما ذكرنا قوله تعالى : * ( أن أشكر لله ) * فإن أن في مثل هذا تسمى المفسرة ففسر الله إيتاء الحكمة بقوله : * ( أن أشكر لله ) * وهو كذلك ، لأن من جملة ما يقال إن العمل موافق للعلم ، لأن الإنسان إذا علم أمرين أحدهما أهم من الآخر ، فإن اشتغل بالأهم كان عمله موافقاً لعلمه وكان حكمة ، وإن أهمل الأهم كان مخالفاً للعلم ولم يكن من الحكمة في شيء ، لكن شكر الله أهم الأشياء فالحكمة أول ما تقتضي ، ثم إن الله تعالى بين أن بالشكر لا ينتفع إلا الشاكر بقوله : * ( ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ) * وبين أن بالكفران لا يتضرر غير الكافر بقوله : * ( ومن كفر فإن الله غني حميد ) * أي الله غير محتاج إلى شكر حتى يتضرر بكفران الكافر وهو في نفسه محمود سواء شكره الناس أو لم يشكروه ، وفي الآية مسائل ولطائف الأولى : فسر الله إيتاء الحكمة بالأمر بالشكر ، لكن الكافر والجاهل مأموران بالشكر فينبغي أن يكون قد أوتي الحكمة والجواب : أن قوله تعالى : * ( أن أشكر لله ) * أمر تكوين معناه آتيناه الحكمة بأن جعلناه من الشاكرين ، وفي الكافر الأمر بالشكر أمر تكليف . المسألة الثانية : قال في الشكر ومن يشكر بصيغة المستقبل ، وفي الكفران ومن كفر فإن الله غني ، وإن كان الشرط يجعل الماضي والمستقبل في معنى واحد ، كقول القائل : من دخل داري فهو حر ، ومن يدخل داري فهو حر ، فنقول فيه إشارة إلى معنى وإرشاد إلى أمر ، وهو أن الشكر ينبغي أن يتكرر في كل وقت لتكرر النعمة ، فمن شكر ينبغي أن يكرر ، والكفر ينبغي أن ينقطع فمن كفر ينبغي أن يترك الكفران ، ولأن الشكر من الشاكر لا يقع بكماله ، بل أبداً يكون منه شيء في العدم يريد الشاكر إدخاله في الوجود ، كما قال : * ( رب أوزعني أن أشكر نعمتك ) * ( النمل : 19 ) وكما قال تعالى : * ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) * ( النحل : 18 ) فأشار إليه بصيغة المستقبل تنبيهاً على أن الشكر بكماله لم يوجد وأما الكفران فكل جزء يقع منه تام ، فقال بصيغة الماضي .